الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
109
شرح ديوان ابن الفارض
من يدع بمعنى يترك ، وماضيه الذي هو ودع أماتوه فلا ينطقون به إلا شذوذا . و « الدعوى » في اللغة مصدر دعا أو رغب إلى اللّه تعالى ، وفي اصطلاح القوم الدعوى عبارة أن يظهر الإنسان من نفسه أنه عامر الذات بالأدوات وهي مذمومة فيما بينهم والمراد هنا الدعوى الاصطلاحية . وقوله « فما بالرّقى ترقى إلى وصل رقيّ » : تقرير لقوله : دع الدعوى . والرّقى جمع رقية بضم الراء وسكون القاف وهي ما يرقى به الملسوع من نحو الفاتحة . و « ترقى » : أي تعلو وترتفع . و « رقيّ » مرخّم رقية على غير قياس ، واستعمال مثله في النظم سائغ والمراد بها مطلق الحبيبة كقولهم : لكل يوسف يعقوب ، ولكل فرعون موسى ، أي لكل حبيب محبّ ، ولكل مبطل محقّ . والمعنى : يا طالب الأمر العظيم والخطب الجسيم من التقريب إلى وصل الحبيب لست تنال ذلك بالدعوى من غير تحمّل المشقّة والبلوى فاصبر على ما تلاقي لتحظى بالتّلاقي . وفي البيت جناس شبه الاشتقاق بين خاطب وخطب ، وكذا بين دع والدعوى ، وكذا بين ترقى والرقيّ ورقى . ( ن ) : قوله خاطب الخطب : أي طالب الأمر العظيم . قال تعالى : عَمَّ يَتَساءَلُونَ ( 1 ) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ( 2 ) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ( 3 ) [ النبأ : الآيات 1 - 3 ] فسمّاه نبأ ، أي خبرا عظيما لاتّصافه بالعظمة ولهذا لا يدرك كما قال : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : الآية 103 ] الآية ، وقوله : اترك الدعوى ، أي دعوى الحول والقوة ، قال تعالى : أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [ البقرة : الآية 165 ] ، بل دعوى الوجود لأنه للحق تعالى وحده كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : الآية 88 ] ، كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [ الرحمن : الآيتان 26 ، 27 ] . فلام الدعوى لام العهد الذّهني ، وقوله : ما بالرّقى ترقى الخ . . . أي ليس بمجرد تلاوة الأوراد والمداومة على الأذكار فقط من غير تنبّه لشهود تجليات الحق تعالى ترتفع من حضيض نفسك وطبعك إلى أوج وصل المحبوبة المطلقة الجمال والحضرة العليّة المتّصفة بالكمال التي كنّى عنها برقيّ على الاكتفاء وأصله رقية . اه . رح معافى واغتنم نصحي وإن شئت أن تهوى فللبلوى تهيّ [ الاعراب ] « رح » بمعنى اذهب من راح بمعنى سار وذهب لا بقيد كونه في الرّواح . وقوله « معافى » : اسم مفعول من عافاه اللّه تعالى ، أي جعله صاحب عافية . واغتنم من الغنيمة . والنّصح من النصيحة . وما ألطف قوله « فللبلوى تهيّ » فإنه يشير إلى أن المحبة هي البلوى ، وأن من تهيّأ لأن يهوى وجب أن يتهيّأ للبلوى . و « تهيّ » : أصله